العلوم الإنسانية...لابد أن تصبح مدارس فهم.. عبد الرزّاق بلعقروز

     لا يحتاج العاقل إلى كثير علم ليتوصَّل إلى وصف العلاقات الإنسانية اليوم : بالتمزُّق و الغربة؛  فطابع الغُربة هو السَّائد؛ فنحن غرباء كما يقول إدغار موران بين أعضاء المجتمع الواحد والأسرة الواحدة والثقافة الواحدة والإنسانية المشتركة؛ حتى أن القاموس التراثي العربي قد حوى كلمات تحققت بجودة الوصف وأناقة الرّصف نحو : التّنائي (التباعد و التفرُّق) والنَّوى (البعد و الفراق) التبرُّم (الضَّيق والسأم) الشُّجن (ما يتصل بالهم والحزن) الاستيحاش (النفور من المألوف)، وغيرها من الكلمات ذات  الإشباع في الوصف و التَّجويد للآداء . ولا يخفى أيضا على العاقل سعي التراث العربي الإسلامي بخاصة في شقه الفلسفي/ الأخلاقي إلى الانتباه لهذا الحال الإنساني، والكتابة فيه طلبا للتَّعافي والمداواة، فكتب أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي، رسالته المعروفة بــ : الحيلة في دفع الأحزان"، موجها الانسان نحو تربية دائرة الرغبة و الإرادة، بتحريره من الحزن عن فقدان الأشياء المتغيّرة، وربطه بالخيرات العقلية الداَّئمة التي لا تعلوها خيرات أخرى مثل فقدان الماديات أو الأشخاص، فالهدف هو توجيه الإنسان نحو تجديد رؤيته وعلاقته بالأشياء : من التزيين والحب إلى التقلُّل و التحرُّر. كما ترك ابن حزم الأندلسي رائعته الخالدة : طوق الحمامة في الألفة و الأُلاف، متحدثا فيه عن العلاقات بين النفوس ومفتشا عن المشاعر الإنسانية العميقة مثل : الوصل والهجر والتَّداني والتَّباعد والنسيان وألم الفقد. وربط ظاهرة الحب بالمعاني الأخلاقية نحو السمو والترفع وإجادة السُّلوك الفاضل، ومدلول هذه الإشارة، أن المعرفة بالإنسان حينها، لم تكن مفصولة عن التطلع إلى علاجه روحيا أو مداواته نفسيا، والأقوى أن المعرفة التي لا تتجلّىَ في العلاجات التطبيقية فهي "غير نافعة".

إن غرضنا من هذه الإشارة،  أن نصرف القول إلى أنَّ العلوم الإنسانية التي بين أيدينا اليوم، تكاد تنفصل فيها الرابطة بين العلم والتَّفاهم الإنساني، بينما كانت الممارسة التراثية واعية بالدَّور التَّوجيهي لعلوم الانسان، نحو التآلف والتَّوادُد وهجر الغربة والتنائي، والسَّبب الوجيه، إنّما يعود إلى تبني الخيارات الفلسفية التي تفصل بين العقل والإيمان من جهة، وتفصل بين المعرفة والقيم الأخلاقية من جهة ثانية، والنتيجة السلبية لهذا الفصل : لا بلغت العلوم الإنسانية درجة العلمية التي بلغتها العلوم الطبيعية؛ ولا هي اقتدرت على الاصغاء لمشكلات الإنسان وإعانته على تجاوز وضعه المألوف.

من هنا، انطلقت في  دروس فقه العلم المعاصرة (الابستمولوجيا)، مراجعات جذرية للأسس المعرفية التي ارتكزت عليها علوم الاجتماع والانسان، حيث يسود عنوان معرفي لافت هو : لابد أن تصبح العلوم الإنسانية مدارس فهم وتفُّهم، لا مدارس تفسير وتحليل، والخطوة المهمة بعد هذا العنوان؛ الدخول في نقد وتنحية المقولات التَّحليلية التي يجري الاعتماد عليها في علم النفس مثلا، التي هي  أقرب إلى  تعميق الأزمات منها إلى حلها، فلم يعد مجديا الإبقاء على مقولات (مركب الشُّعور بالنقص، ومركب أوديب، وانفصام الشخصية، والسَّادية والمازوشية ...) لأنها تعمق عدم الفهم وتخلق حالة من محدودية الفهم، وفي هذا المقام يصرح إدغار موران Edgar Morin 1921 –2026) قائلا

 " فالأدب و الشِّعر والسِّينما وعلم النَّفس والفلسفة تلتقي كلّها حول هدف أن تصبح مدارس فهم"(كتاب العقل المحكم، ص64). واستزادة منه في الإيضاح يرى موران، أننا في الوقت الذي نكون فيه في الحياة اليومية شبه لا مبالين بحالات البؤس المادي و المعنوي، نشعر عند قراءة رواية أو مشاهدة فيلم بالشفقة و الرحمة والطيبة.

إننا في أمس الحاجة إلى إعادة الترابط بين المعرفة ودورها في علاج أزمات اللاّتفهم التي تنمو وبوتيرة لافتة، وهذا الهدف مشروط بمراجعة أسس هذه العلوم، إنها تتطلب جراحة عاجلة لتحريرها من الاتباع الفكري لمدارس الوضعية التي نمت في مناهجها بيداغوجيا المُلاَحظة أكثر من بيداغوجيا الدَّهشة؛  والفلسفة في طليعة المعارف التي تقوم بهذا الدور، لأنها تدخل في دور نقدي واستشكالي لقيمة هذه العلوم وماالذي أفادت به الإنسان في أزماتها الأخلاقية وحاجاتها العميقة. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تشويه التّراث بين السياقين الغربي و العربي الاسلامي عبد الرزاق بلعقروز

في سؤال التغيير عبد الرزاق بلعقروز

تحسين التَّقبيح وتقبيح الحسن : حول صناعة المحتويات السَّافلة