حين تتعانق الرُّؤى الكبرى : مالك بن نبي يُلمّح مُبَكّرا إلى عبقرية إدغار موران د . عبد الرزّاق بلعقروز
رغم أنَّ الفترة التي كان
فيها مالك بن نبي 1905/1973 في فرنسا كانت
فترة تهمين عليها فلسفيا، الهاءات الثلاثة : the three HهيجلHegel وهوسرل Husserl وهايدجر Heidegger إلا أنَّ إشارته إليهم لم تكن
بيّنة، والأكثر أن الذرية الفلسفية التي رشحت من هذا الثالوث، مثل ميشيل فوكو Michel Foucault (1926–1984)وجاك دريدا Jacques Derrida (1930–2004)وموريس بلانشو Maurice Blanchot
(1907–2003)وجاك لاكان acques Lacan (1901–1981) وجيل دولوز Gilles Deleuze (1925–1995)، وجون
هيبوليت Jean Hyppolite (1907–1968)وموريس ميرلوبونتي
Maurice Merleau-Ponty (1908–1961)، أيضا لم تظهر في نصوصه، رغم ذلك النقاش الفلسفي الكبير الذي كان
يغلي في فرنسا حول قيمة العقل ومستقبل المعرفة وتفكيك الميتافيزيقا وكتابة التَّواريخ
المصغرة ونقد البنوية وغيرها من الموضوعات، حيث تقابل تياران هما : تيار يتغذى على
الإرث النيتشوي في نقد الحداثة ومثل التنوير وخطية التقدم، وتيار محافظ يتغذّى على
العقلانية الهيجيلية وجهود إنقاد قيم التنوير وروح الحداثة من حركة التَّحديث التي
تعد انحرافا عن المعاني التأسيسية للحداثة ومسارها.
إنَّ هذه النقاشات رغم
وجاهتها في تلك الفترة، لم تستهوي منطق التَّحليل الحضاري الذي لازم فكر مالك بن
نبي ، فهو لم يتأثر بهذه L'Agora الأغورا الفكرية، ولم ينخرط ضمن مساراتها في الفهم
والتأويل، وحتى قراءته لبعض الفلاسفة الغربيين مثل اسبينوزا
Baruch Spinoza (1632–1677) وكانط Immanuel Kant (1724–1804)ونيتشه، Friedrich Nietzsche (1844–1900) كانت عبارة عن فصوص وشَّح بها مفتتحات بعضا من فصوله؛ أو اقتباسات
عزّز بها مشروعه من حيث الغايات والآفاق.
وهذه خاصية لافتة امتاز بها فكر مالك بن نبي، فالنصوص مهما كان مأتاها، ليست هي
التي تأخذ بيده إلى إشكالاتها، بل هو من ينتقي من النُّصوص الفلسفية، ما يراه
صالحا للسياق ومثمرا في المقام .
إلا أن الشَّخصية التي أشار
إليها مالك بن نبي ، واعتمد على البعض من نتائج مقاراباتها تأييدا لآرائه
وتحاليله؛
[رغم هيمنة الاتجاهات التي أشرنا إليها]؛ هي
الفيلسوف وعالم الاجتماع و الانثربولوجي إدغار موران،
Edgar Morin (1921–2026) المفكر الذي ارتبط اسمه بمعجم اصطلاحي كئيب مثل : أزمة الحضارة
والاضمحلال وتلاشي الهويات وتغيير التغيير والفكر المعقد والمقاومة وتنظيم المعارف
وغيرها من المفاهيم الواصفة و النَّاقدة لسيرورة الحضارة الغربية اليوم . ولابد
هنا، من صرف القول، بعد أن أشرنا إلى فكرة الموضوع، إلى طبيعة هذا اللقاء العقلي
بين مالك بن نبي وإدغارموران، فأين كان هذا اللقاء ؟ ما هو موضوعه ؟ وما قيمة فكر
إدغار موران في منظور مالك بن نبي ؟
أولا. سياق اللقاء
يجدر القول أولا، إلى أن
الكتاب الذي ذكر فيه مالك بن نبي إدغار مورين هو كتاب "مشكلة الأفكار في
العالم الإسلامي" وهو كتاب شرع بن نبي في تأليفه في ستينات القرن الماضي،
تقريبا 1960، لأنه قال في مقدمة الكتاب " هذا كتاب شرعت في تأليفه منذ عشر
سنوات "[1]،
ومقدمة الكتاب مؤرخة في 22 نوفبر 1970. لكن ظروفا خاصة، تتعلق بقوة الصراع الفكري،
أجَّلت إتمام هذا الكتاب فيما يقول، لكن عودة الأستاذ عمار طالبي من القاهرة، وقد
كان من قبل يحضر ندوات بن نبي هناك، هي التي أعادت إحياء الكتاب رغم أنَّ عديد المسودات
قد ضاعت أو اضمحلّت . أما سياق اللقاء، فهو الفصل التاسع من الكتاب، الذي حمل
عنوان " جدلية الفكرة و الشيء". وهو فصل عقده مالك بن نبي، بغرض تحليل طبيعة العلاقة بين الأفكار والأشياء والأشخاص، ذلك أنَّ النّتيجة الحتمية لفقدان التَّوازن
الثقافي بينهما،هي استبداد عنصر من هذه العناصر، حينها تكون
الأزمة قد بدأت. وانطلاقا من هذه التّقدُمة المنهجية، يشير مالك بن نبي إلى
العلاقة بين الفكرة و الشيء في سياقين هما: البلاد الإسلامية والبلاد الغربية
قائلا " ففي بلد متخلّف يفرض الشَّيء طغيانه بسبب نُدرته، تنشأ فيه عقد الكبت
والميل نحو التَّكديس، الذي يصبح في الإطار الاقتصادي إسرافا محضا، أما في البلد
المتقدم وطبقا لدرجة تقدمه، فإن الشَّيء يسيطر بسبب وفرته وينتج نوعا من
الإشباع"[2].
فنحن إذن أمام توجُّهين اثنين نحو الشَّيء، الأول سببه الحرمان، والثاني سببه
الوفرة، لكن النتيجة النفسية لكليهما واحدة: تتمثل في طرد الشَّيء للفكرة وإبعادها
والاستبداد بالإنسان من جديد. وهنا، تكون نقطة الإنطلاق نحو إدغار موران، الذي كان
عمره في هاته الفترة، 39 سنة.
إنَّ ما دفع مالك بن نبي إلى هذا التَّلاقي العقلي معه، هو تقرير نشره " إدغار موران" في مجلة le Nouvelle Observateur كان موضوعه "دراسة اجتماعية لفشل "، أي لفشل الإيديولوجية الاشتراكية في انكلترا،
ومحتوى هذا الَّتقرير : أنَّ
الأصوات التي أدلى بها العمال الأجراء في الانتخابات، والتي كان من المفروض،
وفق منطق الإيدلوجيا الاشتراكية أن تكون لهم، أي للإشتراكيين، لكن المُفارقة، أنّها كانت لصالح المحافظين، ومبرّرُ
هذا الانقلاب، أنَّ المطالب المادية التي كان الاشتراكيون يعدون النّاس بها في انكلترا، قد أمّنها
لهم المحافظون، وهنا يستنتج مالك بن نبي وفقا لتحليلات موران ، أنَّ جاذبية الأشياء
" إشباع الحاجات المادية وتأمينها "، وليست الأفكار"الانتماء الطائفي للمذاهب" هي التي رسمت اتجاه
التّصويت . وهذا هو معنى الفشل الذي جاء في عنوان هذا التقربر .
ثانيا . هكذا يرى مالك بن
نبي إدغار موران : وضوح كبير، تشخيص دقيق، ونبوءة صادقة
إن مالك بن نبي يشيد بتلك الاستنتاجات التي
أطلقها إدغار موران، بعد أن لاحظ كيف أن
تمركز الأحلام حول الأشياء، بات هو الشُّعور الذي يتحكّم في حركة الحضارة الغربية، يظهر هذا
في قول بن نبي عن إدغار موران " أنّه يَذْكُرُ الفراغ المروع، والوحدة، واليأس
التي تستبطنها حضارة الرَّفاهية...ويدرك بوضوح كبير نتيجة ذلك؛ فيضيف قائلا
: ومع ذلك سيظهر في المجتمعات المتقدمة، إذا ما واصلت سباقها نحو الرَّخاء
لامعقولية الوجود الإنساني، وهزال حياة تفقد كل رابط حقيقي مع الآخرين، وتفتقر
للإنجازات الخلاّقة، وتحصد الحرمان في عالم الأشياء والمظاهر، وتسحوذ عليها أزمة
العنف عند الشباب، وتبرحها آلام الوجودية عند المفكرين "[3]،
ويبدو أن مالك بن نبي هنا، قد وجد في نصوص إدغار موران، شواهد وتقارير ميدانية عن
مرحلة الغريزة التي تعبر عن حال الانحطاط الحضاري؛ أو مرحلة التَّرف كما سمَّاها ابن
خلدون، التي من سماتها في المعجم الحضاري : تحكُّم الغريزة النَّفسية في الأفكار،
وإقبال المجتمعات على الاستهلاك والبحث عن المتع الحسية وتقدير الأشياء تقديرا
ماديا كميا. وبعد هذا الوصف الاستشرافي لمصير حضارة الرَّفاهية، يؤكد مالك بن نبي،
أنها نبوءة صادقة، وأوُلىَ إرهاصاتها هي ثورة
الطلبة في فرنسا سنة 1968، التي جاءت كحركة كاسحة ومدمرة لمعايير الإلزام العقلية، لأن منطلقها هو التحرُّر من ثقافة "يجب عليك" العقلية، وإرساء ثقافة "أنا
أريد" المُتَعية" محلّها.
لكن
هذا لا يعني أن مالك بن نبي قد ساير تحليل إدغار موران إلى منتهاه، رغم أنه وصف
نظرته بـــــــــ :التّشخيصة الدَّقيقة. فهو قد اعترض على الحل الذي اقترحه موران لعلاج أزمات حضارة الرَّفاهية السَّائدة، ويظهر ذلك في هذه الكلمات " لكن إدغار موران يستخلص منها
علاجا يستم بالمُخاطرة، أو هو على الأقل غير كامل، حين يحدد له نتيجة وحيده هي قوله
: يجب أن نعيش حضارة الرفاهية في العمق، وهذه يجب أن تتحقَّق في حضارة الوفرة، لكي
تُنشئ نقدها الذّاتي وابعادها المستقبلية الخاصة بها"[4].
ويبدو، أن إدغار موران، يستعمل
هنا، استعارة علاجية بيولوجية؛ بيانها أنَّ ثّمة
خلايا في الجسم، لا يظهر دورها العلاجي، إلاَّ عندما تستفزها أمراض من الخارج، فتُنتج
دواءها الذي سيبقى كامنا، مالم تستفزه هذه الأمراض الآتية من المحيط الخارجي، ومالك بن نبي، يرى
هنا، أنَّ تبني موران لهذا الأمر، في حقيقته ليس اقتراحا علاجيا نافعا، ف" هذه الخاتمة
البراغماتية تنطوي على شيء من التّناقض، فحين يوصي موران، بأن يترك الدّاء حتى يصل
إلى منتهاه فينتج بنفسه دواءه، فذلك يعني أنه في تشخيصه لم يأخد باعتباره أي
علاج"[5].
ويبدو أن مالك بن نبي، قد تلمَّح حدود رؤية موران، التي برأيه مقاربة اجتماعية، أي تنحصر في الوصف المباشر للظواهر، من غير اعتبار لدور القيم الدينية أو العقلية في الإصلاح والتّوجيه؛ ولأجل قصور المنظور السوسيولوجي، فإنَّ المقاربة الجديرة بالاستعمال هي المقاربة النّفسية، لأنّها تنزل إلى العمق النّفسي، كي تكتشف تلك العلاقة النَّفسية التي تتحكم بالوعي، أي عبودية الأشياء؛ بحيث تجعل الذّات تقدس الشَّيء على حسب الفكرة، وما ثورة الشباب الهوجاء سنة 1968، إلا تعبيرا عن استباق يسد أيّة رغبة في الإصلاح أو العودة إلى قيم العقل[القمعية]. بل إنها الحركة التي أخذت بهذه الأفكار إلى المدينة "الفضاء العام"، وتحوَّلت إلى خطاب جماهيري، يرى من حقه المتعة والعيش السَّعيد بتقديسه للأشياء وليس الأفكار، ومعارضة تلك السَّرديات التي تريد أن تخدعه في وجوده الحسي المباشر.
في الأخير، يمكن صرف القول، إلى أنَّ مالك بن نبي قد اختصَّ بقدرة استثنائية، على تلمُّح النتاج الفكري العميق في تلك الفترة، رغم أن عمر إدغار موران كان هو 39 سنة! وما
إيراده لتحاليله، إلاَّ علامة على ذلك، فقد أبصر في أقواله، فهما وتشخيصا عميقا
لمآلات حضارة الرفاهية وعبودية الأشياء؛ حضارة اختزال الوجود المُركًّب في الرغبة والمتعة والـتأويل الجمالي للوجود وبالفعل، فإنَّ مشروع موران اللاَّحق ما هو إلا استمرار في التَّحسيس بأزمة السياسة
الحضارية الغربية المضطربة، ومحاولة جادة لأجل تطبيق التعقيد على جوهر الحياة المنسي والعلوم أحادية الرؤية، فالاختزال و الانفصال هما أمراض هذا العصر، وإحياء القدرة على وعي
التعقيد هي الأفق المستقبلي الممكن .
جميل جدا تلك المرحلة عرفت حركية فلسفية معرفية بين الاقطاب والتيارات الفلسقية حسب كل اتجاه ثورة بامتيار بوركت وبارك مقامك طيب
ردحذف