طاقة الأفكار ... عبد الرزاق بلعقروز

 


" إذا كان التنفُّسُ يُنظّم الحياة داخل الكيان الفَردي، فإنَّ المفهومية أو الإيديولوجيا تنظّم الحياة داخل الكيان الاجتماعي " مالك بن نبي.

         تركِّزُ جُلُّ التَّفسيرات السَّائدة حول سبب العطالة الحضارية والتمزُّق الاجتماعي على المعامل المادي : نقص الموارد أو تبذيرها أو صرفها نحو غايات استهلاكية؛ وبهذا، فهي لا تساهم في البناء الاجتماعي و النَّفسي للمجتمعات بخاصة العربية والإسلامية منها؛ ورغم وجاهة هذه التَّعليل، إلا أنَّ ثمة إقرارا آخر منسيا ضمن هذا التَّعليل المادي؛ فالمجتمعات الإنسانية ليست مجرّد كتل مادية، تفعل انطلاقا من دوافعها الحيوية فقط (الدَّافع الغذائي، الدَّافع الجنسي، الدَّافع التملُّكي ...) بل إنَّ نقطة الانطلاق البعيدة إنما هي؛ الأفكار، وليست هي الأشياء؛ فالأفكار هي القِوى الدّافعة و الحافزة و الرافعة للمجتمعات التي تبتغي خوض تجربة حضارية إنسانية؛ وهكذا ،كان الشَّأن في تاريخ الحداثة الغربية : ففكرة الإصلاح الدِّيني وفكرة النّهضة والتَّنوير وأفكار التقدُّم وقيمة الإنسان؛ هي الرِّياح التي كانت تمنحُ الحركة، لفعل التَّحديث، وكلَّما كانت حركة الأفكار أقوى كانت الإرادة الحضارية أكثر فعَّالية، والإمكان الحضاري في مسار النُّمو والقوة. وإذْ بانت هذه الحقيقة، فإنَّنا نصرف سعينا إلى أنَّ المجتمعات العربية لا تعاني من نقص في الأشياء، فباطن الأرض وظاهرها غني بالإمكانات الحضارية؛ كما لا تعاني من نقص في عالم أشخاصها، فنسبة الشَّباب في العالم العربي و الإسلامي نسبة ظاهرة، وهي بخلاف المجتمعات الغربية حاليا، التي بسبب نظام الفردانية واكتساح أشكال مابعد الأسرة الإنسانية (المثلية وغيرها)، تتجه نحو الشيخوخة والنَّقْص في النّوع؛ فبقي إذن، أن نصرف القول، إلى أن جذر الخلل إنما هو في عالم الأفكار، فالإنسان لا يعمل وفق دوافع الرَّغبة فقط، بل إنَّ سِمَةِ فعله ، إنَّما يأتي من العمل، وفق مخطَّطات فكرية، ومنظومات روحية، تحرك الأشخاص كي يقوموا بأدوارهم في البناء والتَّمكين. لأجل ذلك؛ فإنَّ مطلوبنا هنا، فضلا عن الوعي بطاقة الأفكار، أنَّنا نقوم برسم المعالم التي يهتدي بها الإنسان، في مجتمعاتنا العربية اليوم، كي يقوى على القيام والإنجاز من جديد، إنّها تواليا :

أولا. الأفكار تخلق حالة التوتُّر :

    إن التَّوتُّر الدَّاخلي بسبب الأفكار التي يتشرَّبها الوعي، هي التي تجعله يحقق الطُّموحات والإنجازات، أمَّا حالة جمود الدَّم والسَّكون النَّفسي والرّضا باليومي؛ فتعادل في معناها حالة اللاَّوجود واليأس؛ يقول مالك بن نبي  " ففي مجال الفيزياء، مثلا، لا يمكن للتوتُّر الكهربائي النّاقص أن ينتج  الإضاءة، بل إنّه يتسبّبُ أحيانا في انطفاء المصباح. إذن، فلا بد من بلوغ نوع معيّن من القوة المحركة، Voltage من أدل إحداث نوع معيّن من الآثار" . وعليه، فإنَّ المجتمع، الذي لا يملك طاقة التوتر، المكنونة في عالم الأفكار، هو مجتمع تَضْعف فعاَّليته ويقل إنتاجه، وحتى في مجال التَّفكير العلمي، يكون التوتَّر هو سر تَفَجُّرِ العقل  في الاكتشافات العلمية، يقول هنري برغسون " إنَّ العلماء الذين يتخيّلونَ الفروض المثمرة، والأبطال و القدّيسين الذين يحدِّدون المفاهيم الأخلاقية، لا يبدعون في حالة جمود الدَّم، وإنّما يُبْدعون في جو حماسي، وتيار نفسي ديناميكي تتلاطم فيه الأفكار و تتضارب" .

   لنقل إذن، بإنَّ إخلاء المشاريع من طاقة الأفكار، هو تهيئة لا تُقدر للإضعاف و القابلية للهزيمة، ويؤسفنا أن نقول اليوم؛ أنَّ الأرقام التي هي تحت عنوان : القوة العربية، هي أكثر  من الأرقام التي هي تحت عنون : القوة الإسرائيلية، من حيث عدد الجيوش والجول؛ لكن النتائج حجبت هذه الأرقام، والسبب هو استقرار  التوتر الداخلي لدى القوة الثانية وضعفه لدة القوة الأولى !  

ثانيا : الأفكار تُظْهِرُ قوة الاندماج :

   إنَّ الأوطان  كما أقرَّ ذلك ابن خلدون؛ الكثيرة العصائب و القبائل قلَّ أن تستحكم فيها الدولة؛ ونحن نقول قلَّ أن تستحكم المشاريع الحضارية البنائية؛. إنَّ الاندماج يعادل التَّجسيم والتَّأليف والتَّجميع، وأصل هذا، إنما هو وحدة الأفكار، التي تتجليَّ في وِحدة السُّلوك ووحدة الهدف، والتَّعاون بين الأشخاص لأجل الحركة و الإنجاز، لذا ترى خُبراء الصِّراع الفكري دوما، يسعون إلى تحريك الأطُر السَّابقة على الوحدة الثقافية للمجتمع (ثقافات فرعية، أحداث تاريخية...)، والغرض البعيد إنّما هو إبقاء المجتمع في تشتت وفقدان لنقطة الانطلاق؛   وكذا إحباط طموحاته وإبعاده عن الأهداف المسطرة، حيث تكون النَّتيجة إدامة الخلاقات الثقافية، تعطيلا لأي جهد جماعي جديد. إنَّ الأفكار  تخلق التَّأليف بين القلوب، وهذا التأليف يظهر في التَّعاون المشترك، لأنَّ الإنجازات النّوعية في التاريخ أبدا ما كانت بطولية أو فردية؛ أمَّا إذا كانت قوة الاندماج ناقصة أو مُشَّتتة أو في حالة رخوة ولزجة؛ فإنَّ الولوج إليها يكون سهلا، مثلما يكون الامر في السكين مع الجبن الذّائب.

ثالثا. : الأفكار منصّة للتَّوجيه

  قد تمتلك  توترا داخليا، وقوة اندماج اجتماعي مستعدة للعمل والبناء؛ لكنّك إذا فقدت التَّوجيه نحو أهداف مرسومة أو لفَّها الغُموض؛ فإنَّك لن تصل إلى مَطالبك ولو كانت بين يديك أعتى إمكانات التقنية ؛ وعليه، فإنَّ التَّوجيه في حضوره؛ يماثل الضَّربة، التي توجهها طائرة مقاتلة إلى هدفها، فإن، هي، انحرفت الضَّربة عن الهدف، ضاع الهدف أيضا وتبدّد؛ وإنَّ الذي يقابل التّوجيه، إنّما هو تشتيت القوى وبعثرة جهودها في اتجاهات متناقضة. إنَّ التَّوجيه الذي يكون مَكِينَا، هو الذي يُوجِّهُ، حتى طبيعة الأبحاث العلمية في الجامعات والمراكز البحثية، كي تكون مؤسَّسات المعرفة في مسار الخادم للمشروع الوطني العام، فالأخذ بقطاعات المجتمع ضمن خط متكامل هو تسريع للفعل  وارتفاع بالوجود الاجتماعي نحو مطالب الأفكار والقوة الحضارية.

    لنقل إذن، بأن للأفكار ليس فقط أجنحة لتطير بها كما كان يقول أفلاطون، بل لديها طاقة التجلي الحسية:  إنّها تُوجد  التوتر الدّاَخلي في ذات الإنسان؛ بوصفه نقطة الانطلاق نحو الفعّالية والحركة؛  والتَّوتر بدوره؛ هو الذي يخلق قوة التَّأليف والتَّجميع؛ المتجلِّية في التكتُّلات الاجتماعية؛ التي  تشتغل مثل نظام الآلة التَّرابطي أو مثل أعضاء الجسم الواحد، ثم إنّ ذينك المحددين : أي التوتر و الاندماج، عندما يجتمع إليهما التَّوجيه، فإنَّ الثمرة، ستكون هي :تحديد مجرى التّاريخ، نحو الأهداف المنشودة بمعزل عن الإسراف في الوقت والشَّيء .  

من مراجع المقالة :

Ø   مالك بن نبي، في الحضارة وفي الأيديولوجيا، الجزائر، عالم الأفكار، 2014.

Ø   ابن خلدون، المقدمة/ هنري برغسون، الطاقة الرُّوحية.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في سؤال التغيير عبد الرزاق بلعقروز

التَّجربة و الآفاق الإدراكية الواسعة ..... عبد الرزاق بلعقروز

الحج ...رحلة القلب نحو الصَّفاء الجزء الأول بقلم د عبد الرزاق بلعقروز