في المُقارنة بين الثقافات ... عبد الرزاق بلعقروز
"عش في لندن لمدة، ولكنّك
لن تعرف كثيرا عن إنجلترا، وإنّما ستفهم الخصائص المهمة لفرنسا بصورة أقوى من ذي
قبل " ف. بروديل
" أوّلا. ألاَّ يوقع المُقايسة إلاَّ بين الأشكال المتجانسة، أعني ألاَّ يعمد إلى أشرف ما في هذا فيقيسه بأرذل ما في صاحبه، ويعمد إلى أصل من أصول هذا، فيقابله بفرع من فروع ذلك. ثانيا. ألاَّ يعمد إلى خُلّة موصوفه في فرقة من الفرق غير مستفيضة، فينسبها إلى جملة طبقاتها " أبو الحسن العامري.
يعتقد
البعض من الذين يُبصرون في الاكتساح العولمي قدرا على الانسان، أنَّ الثقافات تتجه
نحو التَّسطيح والضُّمور، بسبب تسيُّد التقنية ونظام الفردانية في الاجتماع
والاقتصاد؛ ورغم بعض الشَّواهد الماثلة أمامنا على هذا الإقرار، إلاَّ أنَّ تحديق
النَّظر وتعميق الفهم، يدفع بنا إلى
مراجعة هذه الفكرة على شدة ذيوعها، فالعالم اليوم بقدر ما هو تقني وعولمي بقدر ما
هو ثقافي وروحي أيضا، فإذا كانت التّقنية العولمية هي تجَلِّ للمكوِّن المادي في
الإنسان، فإنَّ الثقافة هي تجلِّ للمكوِّن الرُّوحي؛ وإذا كانت التِّقنيات المادية
تتشابه؛ فإنَّ السِّمات الثقافية تختلف؛ لأجل هذا، فإنَّنا نبتغي الإشارة إلى
أهمية المقارنة بين الثقافات المختلفة وليس بين التقنيات المُتشابهة، والغرض ليس
هو توسيع شقَّة الاختلاف، بل الوعي بالخصُوصيات الثقافية التي تميُّز المجتمعات
اليوم، وهي خصوصيات دافعة ورافعة ومتجلِّية في الفعل والإنجاز، هذا، ويعدُّ مجال :
الفلسفة المقارنة، هو المبحث الذي يتولَّى القيام بمكاشفة الخصوصيات الثقافية وتعيين
مقولاتها التأسيسية، وشرح دورها المحوري، في رسم الملامح الجوهرية للمنحى الحضاري
العام. وبناء على هذه المقدمة : ما هي
المحُدِّدات العامة للثقافات السَّائدة اليوم؟ ما هو نطاقها المركزي في فهم العالم
وطريقة الحياة فيه ؟
قبل البدء بالإجابة عن هذا
القلق؛ لابدَّ من صرف القول، أولا؛ إلى أنَّ المقارنة بين الثقافات كان قد افتتحه
المسلمون، فيما قام به أبا الريحان البيروني في كتابه : تحقيق ما للهند من مقولة
مقبولة أو مرذولة في العقل؛ وكذا ابن حزم في
المقارن بين المذاهب والفلسفات؛ والشهرستاني بين الملل والنِّحل؛ وإذا كان الغرض
من المقارنة وقتها، هو فحص الأسس والغايات في سياق الفهم والحجاج على صلاحية نظام
التّوحيد الإسلامي؛ فإنَّ الغرض من المقارنة بين الثقافات اليوم، إنّما يتقصَّد
الإبانة عن تعدُّد الثقافات ثم تعيين نقطة الانطلاق لدى كل ثقافة، من أجل الدخول
في حركة نقدية لفكرة الكونية الثقافية، ومساعي الالتحاق بركب العالمية، و في
المقابل الارتكاز على خصوصيتنا الثقافية توسيعا وانتشارا، لأنَّ روح الإبداع والعطاء
تتجلّى من خلال الظُّهور الثقافي الخاص .
هذا، ومن الجوانب التَّأسيسية لفكرة المقارنة بين
الثقافات من خلال المنظور الفلسفي ؛ كتاب "ب.ت. راجو P.T.
Raju في نصّه " مدخل إلى
الفلسفة المقارنة"، ومما جاء في هذا الكتاب التنبيه إلى أن ثمَّة حضارات
ثلاثة تولّي شطر وجهها نحو الإنسان باعتباره موجودا واعيا " ولكن في اتجاهين
مختلفين: اتجاه إلى الظَّاهر الخارجي، وآخر إلى الباطن، فالفلسفة الغربية تُعطي
الأولوية للعقل، والعلم، والنّظرة إلى العالم المُشاهد، أما التقليد الهندي فموجه
إلى باطن الإنسان لفهمه وشرحه، وإلى حرية روحه والتوحُّد مع الروح المطلق،
والتقليد الصِّيني يهيمن عليه ما هو إنساني، ويظهر منه البراغماتية التلقائية، ولا
صبر له على المسائل المُجرّدة، فهو ليس مُغاليا في الظَّاهر، ولا متطرّفا في
الباطن "[1]. يتبيّن لنا إذا، أن النِّطاق
المركزي للثقافة الغربية هو : العقل والمادة، بينما يتجلىَّ النطاق المركزي
للثقافة الهندية في النَّفس والبحث في
أغوارها؛ بينما تختصُّ الثقافة الصِّينية بتقدير الفعل الاجتماعي وتذويب الفردانيات؛
وغير بعيد عن هذا، قارب مؤرخ الأديان "هوستن
سميث" مسألة الاختلاف بين الثقافات مُستلهما فكرة بيرترند رسل؛ في كون الانسان معني بثلاثة
أنواع من الصّراع : صراع مع الطَّبيعة، وصراع مع الذَّات وصراع مع المجتمع؛
والثقافة الغربية كما يرى "سميث" هي ثقافة الرَّغبة في السّيادة على الطَّبيعة،
والثقافة الهندية هي ثقافة الرغبة في السيادة على الذّات، بينما تعبر الثقافة الصّينية
عن الرغبة في السيادة على الاجتماع؛ و الأمر أيضا يسري إذا ما أخذنا الكلمات
الأساسية في الثقافات مثل : الإرادة و التغيير و الزمان، فكل ثقافة تتمثُّله بناء
على رؤيتها إلى العالم، فمثلا تراتبية العلاقة بين العقل و الإرادة، ففي تاريخ
المعرفة الغربية نجد أن حركة التَّفكير من سقراط إلى أفلاطون؛ فإلى أرسطو، كانت
متمركزة حول العقل،أو اللوغوس؛ واخترق هذا التَّحديد العقلاني الفلسفة الحديثة
أيضا، من ديكارت إلى سبينوزا فإلى كانط وهيجل؛ لكن بعد هذا التوهُّج لخطاب
العقلانية، خَلَفَتْهُ فكرة مركزية الإرادة و ليس العقل، من شوبنهاور" إرادة
الحياة" إلى فريدريش نيتشه "إرادة القوة"، إلى سيجموند فرويد
"الغريزة" فإلى هنري برغسون "الدَّيمومة "؛ فَجُل ُّهذا الخط
أسَّس لأولوية الإرادة و ليس العقل، وكذا الأمر في الثقافة الهندية، فمدار الاهتمام
فيها هو الإرادة، إنَّها تحوي داخلها الرغبة التي هي طريدة الفكر الهندي اقتلاعا
وبحثا في أغوارها عن المعنى ، وتتخذ الثقافة الصِّينية موقفا متوازنا بين العقل
والإرادة، فالعقل مبدأ المعرفة و العلوم، و الإرادة مبدأ توجيه الفعل نحو
الاجتماع.
إن غرضنا من فتح هذا الموضوع، هو أن يعي العربي المسلم
بطبيعة رؤيته إلى العالم، وأن يوظِّف نظامه اللغوي والقيمي في التَّعبير عن هذه
الذّات المتوازنة في مفاهيمها وأفعالها، وأن يعي أيضا، أنَّ الكونية الثقافية لا
تناسب هذا الاتجاه العام نحو التعددية
الثقافية المتعارفة؛ ونحو نقل فكرة التَّعددية الثقافية من إطار الخُصوصية إلى
الإطار التَّعليمي، وبما أنَّ الثقافة ليست كونية، فإنَّ أنظمة التّعليم ليست
كونية أيضا، و العلوم الإنسانية و الاجتماعية، وكذا الفنون والآداب يجب أن تكون من
رحم ثقافتها، أي أن تكون سيرورتها تعبيرا
عن مفاهيمها حول الأشياء : مثل العالم والإرادة و الزَّمان والعقل وغيرها . ومن لم
تكن ثقافته هي منصته في الانطلاق، فسيجد نفسه قلقا بين منصات انطلاق أخرى مُوحِشة.

تعليقات
إرسال تعليق