" من المفيد أن نشير إلى أنَّ ألكسيس دو توكفيل قد ادّعى أنَّ أمريكا التي زارها سنة 1831، كانت " من أقلّ البلاد التي تُدرّس فيها مبادئ ديكارت، وفي الوقت ذاته، من أفضل البلاد اتِّباعا لها " مارك ميتشيل، حدود الليبيرالية، ص 53. من السّمات البارزة التي بانت بها إشكاليات الفكر العربي المعاصر؛ سمةُ الاهتمام بالتّراث؛ لا من جهة التَّحقيق أو التَّعريف؛ بل من جهة المناظرة والتَّقويم، ومبرر هذا المسلك في البحث، إنما هو تحميل هذا التراث المسؤولية عن أسباب التأخُّر الحضاري من حيث مناهج التفكير وأفعال التّدبير؛ وكانت مثوى هذه النِّقاشات، فضلا عن تحريك الإشكال التراثي في الوعي المعاصر؛ الانتقاص من قيمته أو إجلال قطاع من قطاعاته على حساب أخرى؛ مثلما يُجلّ محمد أركون 1928/2010 النزعة الإنسانية التي عبّر عنها جيل مسكويه و التوحيدي؛ أو نظام الاستدلال البرهاني الذي رفعه محمد عابد الجابري 1935/2010 رتبة اليقين المعرفي و المنهجي؛ أو مثلما بحث قبلهم عبد الرحمن بدوي 1917/2002 عن نزعة وجودية في التراث العربي. وتبعا لهذه الطُّرق في التفكير، فإنّ ساحة التراث باتت ت...
" من كان مرباه بالعسف والقهر ... سطا به القهر وضيَّق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمل على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره، خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه، ...وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن" ابن خلدون نظرا للأزمات السياسية الكثيفة في سياقاتنا؛ فإنَّ التغيير أصبح لا يُفهم إلا بكونه تغييرا سياسيا، تترسَّم خطواته في تغيير نظام الحكم، بالطرق المشروعة، لأجل ميلاد نظام سياسي جديد، يكون أكثر رشادة وحَكَامَة، لكنَّ هذا الإقرار على شهرته، ينسى بأنَّ الفعل السياسي ما هو إلاَّ فرع للأخلاق، فالسؤال الذي طرحه أرسطو : كيف يجب أن أعيش أو السؤال الكانطي : ماذا يجب علي أن أعمل؟ يستغرق الفعل السياسي، الذي بات تسكنه مفارقة غريبة : كيف أنَّه فرع من فروع الأخلاق وفي الآن نفسه يجنح إلى الخروج عن أوامرها وتعاليمها؟ لذا، فإننا نقر مع حنا أرندت، بأنَّ الثورة ليست مجرد عملية تغيير، يتم بمقتضاها قلب نظام الحكم السياسي، الثورة التي تحدث ينبغي أن تثمر ميلاد قيم جديدة تصبح سلوكا مرئيا في الفضاء العام، مثل الثورة الأمريكية التي أتت معها بقيمة...
باتت ظاهرة التَّأثير بواسطة وسائط الإعلام الجديدة تفعل فعلها، وتترك أثرها في الفضاء العام، ويجب بدءا، التّمييز بين التأثير المفيد والخيّر ، وبين التأثير غير المفيد والسّيء؛ فالأصل في هذه الوسائل أن تكون كلها خيرات نافعات وحسنات؛ أي مصالح؛ وأن لا تكون شرورا مضرّات وسيّئات، أي مفاسد. إلا أنّ واقع الحال، هو كثرة المواقع التي تكتسب أهميتها، ليس من القيمة الإيجابية لمضامينها، ولا من المصالح التي يحتاجها النَّاس، بل من سطحيتها وفراغها العلمي وفسادها الأخلاقي، إنَّها تتخفىَّ خلف جمالية الصُّور والتقنيات؛ كي تنشر المحتويات الهابطة، ولعل من مظاهر هذا الهبوط، هو أنها تفصل بين اللغة والقيمة، فالأصل في اللغة أنّها حاملة للمعاني الرَّفيعة، والعبارات الجزيلة، لكنها مع المحتويات التَّافهة و الهابطة، أصبحت مجرد كلام وثرثرة، كما أصبح الكلام في هذه المحتويات كلاما يخدش الحياء ويرفع من أهمية الكلمات المتفحشة والسُّباب والقذف؛ باتت هذه المحتويات في جزء منها حربا نفسية على اللغة الحاملة للقيمة و المعنى، ونشرُ للخصوصيات الذَّاتية والدفع بالمتتبعين إلى كسر الأوامر الأخلاقية مع الذَّات وفي الأ...
تعليقات
إرسال تعليق