محاضرات
في مصادر القيم
طلبة
الماستر تخصُّص فلسفة القيم
السنة
الجامعية 2013/2014
إعداد
الدكتور عبد الرزاق بلعقروز
المحاضرة الأولى
مدخل إلى إشكالية مصادر القيم :
يعد موضوع مصادر القيم من
الموضوعات المفتاحية في دراسة فلسفة القيم وتاريخها، وبالرغم من أن الغالب على
مباحث القيم البدء بالمساءلة اللغوية، إلا أن سؤال المصدر من الأولى أن يكون
مقدّمة إلى غيره، فالمصدر يعد المرجعية النهائية والرَّكيزة الأولى في فهم نظام القيم
داخل الثقافات المتنوعة، إن الاهتمام بمصادر القيم يهدف إلى :
ü
بيان تعدُّد مصادر القيم ومن أن الاختلاف بينها ما هو
إلا اختلاف في المصادر.
ü
أن الرؤية إلى العالم تعد المبادئ المتضمّنة والروح
الجوهرية التي تحدد طبيعة القيم وتبيّن غاياتها.
ü
الكشف عن محدودية المناهج السّببية في مساءلة القيم
ومصادرها، أي الذي يعتبر أن مسألة القيم هي مسألة حكم واقع يمكن ردّه إلى غيره.
ü
نهدف سلوكيا إلى وحدة السلوك بين المبادئ وأسلوب الحياة
في كافة تفاصلها وجوانبها.
أهمية البحث في موضوع القيم :
إن المعيار الأساسي الذي نمر به عبر موضوع القيم
قبل الكلام في ماهيتها أو مفهومها، الكلام أولا في جملة المسوغات التي تجعل مسألة
القيم مركزية وأساسية، بخاصة أن ما تطالعا به مشكلات الإنسان المعاصر (الشعور بالاغتراب،
فقدان المسوغات، الانفصال بين المبدأ و السلوك)، يؤشر على مدى انعدام قيمة القيم
والدّخول في لحظة العراء من المعنى، أو الفراغ من الأسس، ولقد عبّر هانز
يوناس عن هذا Hans Jonas هذا المعنى
وهذا الفراغ قائلا " إننا نرتعد في عراء عدمية تتزاوج فيها أكبر قدراتنا مع
الفراغ الأكبر "[1].
وقد عبّر لوي لافيل Lavelle، عن الأثر
الذي تحدثه كلمة القيمة في أناسي عصرنا ووصفه بأنّه سحر " أصبحت كلمة قيمة
تحدث في أناسي عصرنا سحرا يشبه سحر الوجود، ونحن هنا في قلب هذه المتاهة من
المناقشات التي يتميّز بها دائما الفكر إبان صنعه. وما أن يتم صنع الفكر، أي ما أن
نجاوزه، حتى يصبح من شأن التاريخ أن يعرفه ويلمّ به[2] .
ويمكن لنا رصد هذه المسوّغات في الآتي :
Ø -حلول العدمية وإمسكاها بالحياة،
وهذا بعد أن تفكّكت الشرعيات الكبرى أو ما يسميها جون فرونسوا ليوتار " موت
السّرديات"، أو الأسس المرجعية التي تمنح المعنى للسلوك والحياة، كالأخلاق
الدّينية أو الأخلاق الفلسفية، " مثلا مذاهب القرن الثامن عشر المتصلة بتحرير
المواطن، أو أن التاريخ مبحث عقلاني، كتشكل الروح في العالم لدى هيجل، أو الماركسية
وسيادة غاياتها الرامية إلى مجتمع غير طبقي"، مثلا : إذا كان الواجب الكانطي يعبّر عن صيغة أخلاقية كلية وشاملة،
فإن الواجب في عصر ما بعد الحداثة أضحى سردية قديمة فقدت مشروعيتها، واللاّزمة
المنطقية هي أن حلول العدمية وموت الإيديولوجيات يؤديان إلى نزع الشرعية عن المبحث
القيمي وماوراء الأخلاق، وفضلا عن موت الإيديولوجيات؛ فإن الفردية المنبثقة عن هذا
الموت قد طلعت من جديد، ومعناها أن يتخذ الفرد من ذاته مثلا أعلى وقيمة توجيهية
معيارية، إن الفردية تبصر في المجتمع جدارا عازلا عن بلوغ ذاتها، وشعاراها هو
التحرر من ربقة المجتمع أو الدّولة أو الكنيسة، " أما الفردية المعاصرة التي
وصفها جيل ليبوفتسكي في عهد الفراغ "
فإنها لم تبق تشير إلى انتصار الفردانية على القواعد الإلزامية، بل تدل على إنجاز
أفراد غربيين على الأنظمة، على القواعد، على شتى الإلزامات، على الخضوع لسلطة
واحدة، ماذا نلقى في هذه الفردية المعاصرة ؟ متع النّرجسية بأكثر مما نجد من سبيل
للاستقلال الذّاتي، نلقى تفجّر الاستمتاع بأكثر من غزو للحرية، أولوية قيم
الاستمتاع ، إباحيات، نفسانيات، ولجنا عصر النّرجسية، إنه زمن السلوك النّرجسي
"[3] .
Ø
-المكانة
المحورية للقيم تي في نظام الحياة الإنسانية، إذ هي التي تحدّد نظام
الحاجات ومستوى إشباعها، ذلك أن ثمة حلقتين : حلقة الفكر وحلقة الإرادة، فالفكر
يفكّر في الحاجات ويحدد مراتبها (روحية وعقلية وحسية)، أما حلقة الإرادة
فتُتحدَّدُ التوجّه لتتحرّك الجوارج إلى نيل مقصودها، وتقسّم القيم التي تشبع
الحاجات إلى قسمين : " قسم القيم المعيارية وقسم القيم النسبية. والمقصود
بالقيم المعيارية تلك التي لها معيار تقيس به صوابية وسائل إشباع الحاجات
وسياساتها، وفي هذا المعيار تقرر الوسائل الصائبة من الخاطئة، والحلال من
الحرام... أما القيم النسبية فهي التي ليس لها معيار عقدي مسبق، وإنّما تستند في
صوابيتها ومشروعيتها على نسبة رغبات الأفراد والجماعات، والعامل الحاسم في هذا
النوع من القيم هو ما تجمع عليه الأكثرية في المجتمع، ... وخطورة هذا النّوع من
القيم أنه متذبذب الصوابية و البقاء بتذبذب رغبات الأفراد و الجماعات، ولذلك يفرز
أشكالا مضطربة من المشكلات النّفسية و الاجتماعية"[4].
جلي إذن أن ثمة لفتته إلى قيمة القيم، باعتبارها تمُثّل الهوية الجوهرية
التي تمنح القيم الأخرى قيمتها، ففي التصور الإسلامي مثلا يعد التّوحيد الإسلامي هو لب المعيارية في
الكون، و " وما الأمانة أو المشيئة
المقدّسة التي عجزت السماوات و الأرض عن تحملها إلا القانون الإلهي المؤسَّس على
حرية الخليقة، أما فيما يتعلق بالسماوات و الأرض، فإن إرادة الله تعالى تتحقّق
بالأمر الإلهي التكويني " ومن هذا، فإن الإنسان هو المخلوق الوحيد، الذي يتوفّر
في فعله الشرط الأخلاقي، وهو: الفعل الحر، و القيم الأخلاقية أرقى من القيم
الأولية الطبيعية، حيث أنها تستبطن قبولها هي و القيم النّفعية الوسائلية
مسبقا"[5].
أو بتمثيل آخر، فإن إرادة القوة عند نيتشه هي قيمة القيم، أو المعيار
الأوّلي الذي يعدّ الأداة الجوهرية في مسار تقويم القيم ، فما يتوفّر على نبض
إرادة القوة يكون فاعلا وقويا، ومن يخلو من هذه الإرادة يكون خائرا وواهنا، وارتكاسيا،
فإرادة القوة تكون جوهر الوجود وقيمة القيم.
Ø
ازدياد الحاجة في
نسق اهتمامات الانسان المعاصر إلى منابع أخرى للمعنى، بعد أن فشلت مشاريع نسبنة القيم وإسكانها في نهر
الصّيرورة، فشلت في تقديم إجابات مقنعة عقليا وشافية نفسيا لأسئلة الوجود و المعنى
ومصير الإنسان، وأسهمت في هذه النتيجة أو المآل المؤسسات التعليمية الغربية التي
تمكنت من إحداث القطيعة بين الحقيقية الرُّوحية الأخلاقية و الحقيقة العلمية، من
خلال نقد النّظرة الدّينية إلى العالم ونشر العلمنة بما هي انفصال عن القيم
التّوجيهية وعلى مكارم الأخلاق. واستحالت فيما بعد منظومات أخلاقية لا تحمل توجيها
أخلاقيا أو نحو مكارم الأخلاق، وإنّما تحمل رؤية إلى العالم ركائزها هي :
·
اختزال رحابة العالم في الدّلالة الحسية والمطابقة بين
الوجود و المحسوس.
·
توجيه المعرفة نحو المصادر الحسية ونحو تنمية دوافع
القوة و الهيمنة، وذلك بفصلها عن أيّة مقاصد أخلاقية وأبعاد توجيهية.
·
ابتكار منظومة قيم مجتمعية لا تتأسس على مرجعيات دينية
وفيما بعد عقلية مثالية، وإنّما هي مرجعيات تشبه الهشيم الذي تذروه الرياح، فهي
تارة معيار إرادة القوة وتارة معيار اللذة والمنفعة، وتارة معيار الفردانية،
والسّبب أنّه لم تعد هناك نظرة موحَّدة إلى العالم تجمع هذه الجوانب الإنسانية في
ناظم كلي يرتب هذه الحاجات ضمن سلّم في القيم ، يمنح لكل جانب من جوانب الإنسان
حاجته التي تجعل شرط التوازن حاضرا.
إن الحاجة إلى التربية على القيم تبدو ذات معنى جلي، وهذا بسبب مصادمة
الأنساق الأخلاقية الغربية المؤسسة في أغلبها على الاتجاهات الفلسفية والمادية،
مصادمتها للهيئة الخلقية و الروحية التي انطوت عليها نفس الإنسان. إن للعالم
جانبان : الجانب الروحي و الجانب المادي، الأول ينتمي إلى الطبيعة التَّكوينية
الغير حرّة، و الثاني ينتمي إلى عالم القيم، أو عالم الطَّبيعة الأخلاقية
الإنسانية. وإن أغلب مناحي الاضطراب تأتي من سعي الجانب المادي إلى اجتثاب الروحي،
أو من تهميش الروحي للجانب المادي، وهو أحد أعراض مشكلات القيم في الفلسفات
التّربوية المعاصرة.
القيم : المفهوم ومفهوم المصدر و تعريف مصادر القيم
يوصف مفهوم القيمة بالمفهوم الرّجراجي، أي ذلك لا يستقر على حال ولا يقيم على أساس ثابت،
وفعلا ففي مستوى الوصف نعثر على هذا الاختلاف في دلالة القيم، وسنقوم برصد تعريفات
متعددة للقيمة ونحاول أن نبيّن سبب هذا الاختلاف فيما بينها.
·
تعريف رالف بارتن بيري " هو فيلسوف أمريكي، له كتاب
مترجم إلى اللغة العربية عنوانه : آفاق القيمة دراسة نقدية للحضارة
الإنسانية"، ترجمه زكي نجيب محمود، يرى بأن الفيلسوف مطالب بأن يحدد بدقة
مالذي يقصده بالقيمة، منبها إلى الفرق بين السؤال عن ما يعنيه السؤال ما هي
الأشياء ذات القيمة وما الذي تعنيه كلمة قيمة.
إن بارتن بيري قبل أن يشير
إلى المفهوم الذي يتبناه يحدد شروطا للتعريف، هي تواليا : لغوية وشكلية وتجريبية،
لأنه عندما يُهاجَمُ تعريفا من التعريفات
فهو مطالب بأن يدافع عن نفسه من نواح ثلاث : من حيث استعماله للكلمات، ومن الوضوح
و الدقة و التَّماسك وجدوى الأفكار التي يستعملها، ومن حيث قدرته على وصف حقائق
معيّنة في الحياة. ويقدّم لنا بارتن بيري التعريف الذي برأيه يتوفر على هذه
الخصائص " أن الشيء أي شيء له قيمة، أو يعتبر قيما في المعنى الاصلي الجوهري
الجامع عندما يكون موضوع اهتمام أو نفع أو شغف من أي نوع. أو أي شيء هو موضوع
اهتمام أو نفع فهو من ثم قيم بذاته..."[6].
فالسلام والعدل قيم ُوهي موضوع اهتمام نظرا للمنفعة الروحية والحيوية التي
تقدّمها. وهنا يميّز كانط بين القيمة
الثمن أو قيمة التبادل وبين المكانة أو
الكرامة " كل مايشير إلى الميول و الحاجات الخاصة بالإنسان له قيمة سوقية،
وما يعيّن على العقل الحر لملكاتنا له قيمة عاطفية، أما ما يكون الشرط الذي به
يكون الشيء هدفا في ذاته، فليس له قيمة نسبية، أي ثمنا، وإنّما له قيمة ذاتية أي
مكانة "[7].
هذا، وإذا ما عدنا إلى
البحث عن تعريف للقيم في اللسان العربي، وفي منظومة القيم الإيمانية، فإن مميّزات
للقيم تنسجم والرؤية الكلية.
"القِيَمُ جمع قِيمَة، وجذْرُها قَوَمَ، ووردت
مشتقاتها في القرآن الكريم حوالي ستمائة وتسع وخمسين (659) مرةً، منها قامَ وأقَام
وقيام وقائم وقَيُّوم وقِيَم وقَيِّم وقَوَام وتَقْويم، في حوالي مائة وستين (160)
مرة، واستقام ومستقيم في سبع وأربعين (47) مرةً، وقيامة في سبعين (70) مرة، وقَوْم
في ثلاثمائة واثنتين وثمانين (382) مرةً.
-فالله سبحانه حيٌّ قيُّوم، يقوم بذاته ويستغني عن غيره، ويسوس
الأمور ويسيطر عليها، فهي خاضعة له، وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ، (طـه: 111) وهو سبحانه: قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ (الرعد: 33) فهو بها عليمٌ، ولها حفيظٌ، وعليها رقيب.
-والدِّينُ القيّمُ الموصلُ إلى كلِّ خير بلا انحرافٍ أو زَيْغ،
وما سواه أديانٌ غيرُ مستقيمة، فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ. (الروم: 43)
- والصِّراطُ المستقيم: الواضحُ الموصلُ إلى هدفه وغايته دون
عناء في الجهد، ودون ضلال في الطريق، فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ، (هود: 112) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. (الفاتحة: 6)
-والقرآن يَهْدي للَّتِي هي أقومُ إنّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، (الإسراء:9) من العقائد والشرائع والأخلاق، فمن اهتدى بهديه
كان أقومَ النَّاس، والكتبُ القيِّمة هي الكتبُ التي يَعْدلهُا ثمنٌ غال، ومكانةٌ رفيعة،
وفائدةٌ كبيرة، وتجمعُ ما في غيرها من الخير،
-وقد خَلَقَ اللهُ الإنسانَ في أحسن تقويم لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ (التين: 4) إذْ اكتملت في خلقه صفات الحسن في التكوين الجسمي
والعقلي والروحي، بما يتناسب والهدف من الخلْق والوظيفة في الوجو
-وكان بين ذلك قَواما: توسطاً
واعتدالاً ورشداً في الأمر بلا إفراط ولا تفريط، وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ
ذَلِكَ قَوَاماً. (الفرقان: 67)[8].
يتبع في
المحاضرات اللاّحقة
تعليقات
إرسال تعليق